الشيخ الطبرسي

260

تفسير مجمع البيان

ما علا مطبقا فهو سماء . ويجوز أن يكون البرد يجتمع في السحاب كالجبال ، ثم ينزل منها ، عن البلخي ، وغيره . وقيل : معناه وينزل من السماء مقدار جبال من برد ، كما يقول : عندي بيتان من تبن أي : قدر بيتين ، عن الفراء . وقيل : أراد السماء المعروفة فيها جبال من برد مخلوقة ، عن الحسن ، والجبائي . ( فيصيب به ) أي : بالبرد أي : بضرره ( من يشاء ) فيهلك زرعه ، وماله ( ويصرفه عمن يشاء ) أي : ويصرف ضرره عمن يشاء ، فيكون إصابته نقمة ، وصرفه نعمة . ( يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار ) أي : يقرب ضوء برق السحاب من أن يذهب بالبصر ، ويخطفه لشدة لمعانه ، كما قال : ( يكاد البرق يخطف أبصارهم ) . ( يقلب الله الليل والنهار ) أي : يصرفهما في اختلافهما ، وتعاقبهما ، وإدخال أحدهما في الآخر ( إن في ذلك ) التقليب ( لعبرة ) أي : دلالة ( لأولي الأبصار ) أي : لذوي العقول ، والبصائر ( والله خلق كل دابة ) أي : كل حيوان يدب على وجه الأرض ، ولا يدخل فيه الجن ، والملائكة . ( من ماء ) أي : من نطفة . وقيل : عنى به الماء ، لأن أصل الخلق من الماء ، لأن الله خلق الماء ، وجعل بعضه نارا ، فخلق الجن منها ، وبعضه ريحا ، فخلق منه الملائكة ، وبعضه طينا فخلق منه آدم عليه السلام . فأصل الحيوان كله الماء ، ويدل عليه قوله ( وجعلنا من الماء كل شئ حي ) . ( فمنهم من يمشي على بطنه ) كالحية والحوت والدود ( ومنهم من يمشي على رجلين ) كالإنس والطير . ( ومنهم من يمشي على أربع ) كالأنعام والوحوش والسباع . ولم يذكر ما يمشي على أكثر من أربع ، لأنه كالذي يمشي على أربع في رأي العين ، فترك ذكره لأن العبرة تكفي بذكر الأربع . قال البلخي : إن الفلاسفة تقول : كل ما له قوائم كثيرة ، فإن اعتماده إذا سعى على أربعة قوائم فقط . وقال أبو جعفر عليه السلام : ومنهم من يمشي على أكثر من ذلك . ( يخلق الله ما يشاء ) أي : يخترع ما يشاء وينشؤه من الحيوان وغيره . وقال المبرد : قوله ( كل دابة ) : للناس وغيرهم . وإذا اختلط النوعان حمل الكلام على الأغلب . فلذلك قال . ( من ) لغير ما يعقل . ( إن الله على كل شئ قدير ) يخلق هذه الأشياء لقدرته عليها . فاختلاف هذه الحيوانات مع اتفاق أصلها ، يدل على أن لها قادرا خالقا ، عالما حكيما . ( لقد أنزلنا أيات مبينات ) أي . دلالات واضحات بينات . ( والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ) أي : من جملة تلك الدواب . وعنى به المكلفين دون من ليس بمكلف .